خيّم الحزن وأجواء القلق على أول أيام عيد الفطر في لبنان، اليوم الجمعة، مع استمرار تداعيات الحرب الدائرة بين إسرائيل وجماعة حزب الله المدعومة من إيران، والأزمة الإنسانية الناجمة عن النزوح الواسع من الجنوب والشرق وأطراف بيروت.
وعادة ما يكون عيد الفطر مناسبة سعيدة للعائلات اللبنانية، غير أن احتفالات هذا العام تضاءلت بشدة، بعدما جرت المواجهات العسكرية لبنان إلى صراع أوسع في الشرق الأوسط في وقت سابق من الشهر الجاري.
وأودت الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان وشرقه والعاصمة بيروت بحياة أكثر من ألف شخص، فيما أجبرت أوامر الإجلاء الصادرة عن الجيش الإسرائيلي أكثر من مليون شخص على الفرار من منازلهم، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز” في تقريرها.
في وسط بيروت، حاول اللبنانيون النازحون الاحتماء من الأمطار الغزيرة، فجلسوا تحت خيام هشة نُصبت على بعد أمتار قليلة من مسجد محمد الأمين، حيث أدى المصلون صلاة العيد في الصباح.
سماح حجولا، وهي أم لبنانية لطفلين كانت تحتمي تحت قماش مشمع عُلِّق بين شاحنتين صغيرتين، قالت لـ”رويترز” إن ذكرياتها الجميلة عن أعياد سابقة تبدو اليوم وكأنها من حياة أخرى.
وتوضح سماح، البالغة من العمر 33 عاماً: “كان قبل الظروف بتختلف بالبيت، أولادي كان تيابهم (ملابسهم) بالعيد جداد، حياتهم أكيد مختلفة”.
وتضيف: “فيه فرق كتير بين نكون بالبيت ونكون بخيمة أو باص (حافلة)، فيه فرق بين نكون مجهزين نروح على مدينة الألعاب بهذا اليوم أو نروح نعايد الأقارب والأصحاب”.
* نزوح وخوف وأصوات انفجارات
بعض العائلات النازحة رفعت خيامها على ألواح خشبية في محاولة لرفعها عن الأرض الرطبة ومياه الأمطار.
وفي وقت لاحق من صباح اليوم، اخترقت طائرات إسرائيلية حاجز الصوت فوق بيروت، محدثة دويّين قويَّين تردد صداهما في أنحاء المدينة. وأثارت الأصوات، التي يمكن بسهولة الخلط بينها وبين الغارات الجوية، حالة من الذعر، إذ اعتقد سكان كثر أن جولة جديدة من القصف قد بدأت. ولم يرد الجيش الإسرائيلي على الفور بشأن الغرض من هذه المناورة.
داخل إحدى المدارس في بيروت التي تحولت إلى مركز إيواء للنازحين، قدمت فرقة موسيقية عرضاً أمام عشرات الأطفال في محاولة للتخفيف من وطأة الواقع الكئيب المتمثل في البعد عن المنازل والقرى.
متطوعون تولّوا إعداد وجبات الطعام للعائلات المقيمة في المركز، كما أطلقوا بالونات من الطوابق العليا للمدرسة باتجاه الأطفال في فناء المبنى، في محاولة لصناعة لحظات فرح عابرة.
ورغم هذه الجهود، بقي من الصعب على كثير من البالغين التخلص من المزاج الكئيب المسيطر.
يقول عبد الناصر، وهو نازح يبلغ من العمر 53 عاماً: “ما في عيد”.
ويتابع: “راح العيد من عندنا، راح كل شيء اسمه حياة حلوة. عايشين بحزن على اللي راحوا، وعايشين بمأساة على اللي عم نشوفه. النازحين مش قادرين يظبطوا حالهم ولا يأمنوا حالهم ويقوموا بالواجبات اللازمة”.
* “غصة في قلوب الناس” جنوباً
وعلى الساحل الجنوبي، في مدينة صيدا، زارت العائلات قبور أحبائها، في تقليد يُجسّد أحد طقوس العيد الاجتماعية والدينية.
سكان من القرى الجنوبية الذين نزحوا بسبب توسيع العمليات البرية الإسرائيلية وأوامر الإجلاء، قالوا لـ”رويترز” خلال الأسبوع الجاري إنهم يشعرون بحزن عميق لأنهم لن يتمكنوا هذا العام من أداء واجبات العيد تجاه أهلهم وجيرانهم في قراهم.
بعد صلاة العيد في أحد مساجد صيدا، خرج المصلون بهدوء ومن دون أجواء الاحتفال المعتادة.
يقول سليمان يوسف: “فيه غصّة في قلوب الناس، الفرحة مانها كاملة”.
ويضيف: “الناس بحاجة للفرح والسعادة، الناس حابة تفرح، هالبلد بحاجة إنه يكون فيه أمان واستقرار. نحن كلنا بنتمنى إن الأيام الجاية تكون أحسن وتنتهي الحرب بأسرع وقت ممكن”.









