عاما تلو الآخر يحتفي السعوديون بذكرى عزيزة على قلوبهم، يسترجعون فيها ذكرى يوم التأسيس التي ينهض فيها التاريخ من بين صفحاته ليشكل سيرة حيّة تمتد جذورها إلى ثلاثة قرون خلت، تحمل في دواخلها عبق الماضي العريق وصدى البدايات الأولى التي وضع ملامحها الإمام محمد بن سعود حين أعلن قيام الدولة السعودية الأولى وعاصمتها الدرعية عام 1139هـ. وقد مثَّلت تلك اللحظات المضيئة في سفر التاريخ نقطة انطلاق لمشروعٍ حضاري استثنائي سرعان ما وجد طريقه إلى أرض الواقع ليكون نواة لميلاد دولة عظيمة سابقت الزمن وأعلنت وجودها ضمن أكبر 20 دولة حول العالم في وقت قياسي.
وعندما تحل ذكرى هذا اليوم العظيم ترجع ذاكرة السعوديين لأكثر من ثلاثمائة عام إلى الوراء لتستحضر ذلك الصمود الفريد الذي واجه به أسلافهم العظماء تحدياتٍ تفوق الخيال، وكيف كان لعزيمتهم التي لا تلين أكبر الأثر في تحقيق الحلم الذي آمن به جميع أبناء هذه البلاد المباركة. لذلك فإن ذكرى هذا اليوم ليست مجرد مناسبة وطنية، بل هي وقفة تأمل في عمق الهوية السعودية، ولحظات تضج بمعاني الولاء والانتماء.
يقف السعوديون اليوم ليحيوا ذكرى رحلة مليئة بالكفاح والبذل والعطاء قام بها أسلافهم الذين تحدوا الظروف ووقفوا في وجه الزمن، وأعلنوا رغبتهم القوية في تشكيل ملامح وطنٍ يعتز بأصالته وينفتح على العالم بثقة عالية. وطن يسير بثبات نحو المعاصرة والتحديث ويستصحب في ذات الوقت عناصر التراث وثوابت الهوية.
لذلك استطاعت المملكة العربية السعودية المحافظة على جذورها والوفاء لقيمها الأولى وهي تمضي بخطى ثابتة نحو المستقبل. ولعل هذا هو سر الوصفة السعودية الفريدة التي تربط الحاضر بالمستقبل وتحمي الأجيال الجديدة من الذوبان في هويات الآخرين والاستلاب الثقافي.
ومما يزيد من اعتزاز السعوديين بذكرى يوم التأسيس أنها تمر عليهم هذه السنوات وبلادهم تقطع خطوات كبيرة في طريقها نحو التطور الشامل وتحديث بنية المجتمع على هدي رؤية المملكة 2030. فها هي ملامح التحول الكبير تتجلى أمام الأعين، وكأن الماضي العريق يمدّ يده للمستقبل المزدهر، فيصنعان معاً قصة وطن يكتب فصوله بثقة.
وفيما جاهد أئمة الدولة السعودية الأولى لتكون الدرعية منبع النور وقبلة الثقافة والعلوم، فها هو الجيل الحالي من السعوديين يسير في ذات الطريق، ويكتبون بأيديهم قصة نهضة متكاملة في الاقتصاد، والثقافة، والمجتمع، والتعليم، وكل جوانب الحياة، وكان لهم ما أرادوا لأنهم ورثوا من أجدادهم عزيمة لا تلين وطموح لا يتوقف.
فها هي الإنجازات العظيمة تتلألأ كالنجومٍ في سماء الطموح، لتؤكد أن الإرث الذي تأسست عليه الدولة السعودية لم يكن مجرد تاريخ يُروى، بل أساس صلب تُبنى عليه نهضة حديثة تستند إلى الابتكار والعمل والإصرار. وبذلك تؤكد أرض الحرمين الشريفين أن القوة ليست في الماضي وحده، بل في القدرة على تحويل ذلك الماضي إلى دافع للتقدم بثباتٍ وحكمة.
ونحن نحتفل بهذه المناسبة فإن من المهم الانتباه لضرورة أن تتحول احتفالاتنا إلى أفعال حقيقية بأن نعلي من الانتماء لهذا الوطن الذي أكرمنا الله تعالى به، وأن نظهر قيم الوفاء والولاء لهذه القيادة التي تنتقل بنا من نجاح إلى آخر.
وهكذا يكتمل المشهد، وتتعانق فصول التاريخ مع ملامح الحاضر لتكتب فصول رواية خالدة لهذا الوطنٍ الذي صاغ مجده بالصبر والإصرار، ثم انطلق اليوم برؤية واضحة نحو المستقبل، وأن المملكة العربية السعودية ولدت لتبقى، ونشأتلتزدهر، ونهضت لتتولى قيادة الآخرين، وأن مستقبلها يُبنى بإيمان أبناءها، وبصلابة قيادتها، وبحكمة قيمها الراسخة.









